محمود أبو رية
36
شيخ المضيرة أبو هريرة
الحياة في مكة زمن البعثة قضت حكمة الله أن يكون مبعث الرسول محمد صلى الله عليه وآله في البلاد العربية ، وأن تكون مكة أول بلد يشرق منه نور الاسلام . وكان أهل مكة حينئذ يتألفون من طبقات ثلاث ، طبقة أرسطقراطية غنية ، وهم صناديد قريش ، وكانت مكة خالصة لهم ، وأخرى متوسطة . وثالثة فقيرة ، وكان يعيش بين هذه الطبقات ( الرقيق ) الذين لم يكن لهم أي حق في الحياة في الحقوق الانسانية ، وإنما كانوا كالانعام أو العروض التجارية ، ملكا خالصا لأسيادهم ، يسخرونهم في كل ما يريدون ، ويتصرفون فيهم كما يشاءون ، إن بالهبة ، وإن بالبيع ، ويعاقبونهم بأنواع العقاب بغير أن يسألهم أحد عما يفعلون . فلما أمر النبي صلى الله عليه وآله أن ينذر قومه ، وأن يدعوهم إلى البر والتقوى والعدل والمساواة ، وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، وتلا عليهم الآية الكريمة ( 49 : 13 ) : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " كبر ذلك على كبار القوم وأغنيائهم ، وعز عليهم أن يعلو شأن الفقراء بينهم ، وأن يكون لهم ، حق معلوم في أموالهم ، وأخذوا يحاربون هذه الدعوة بكل ما استطاعوا من قوة فلم يجد النبي مناصا من أن يهاجر من مكة إلى المدينة ، بعد ما لقي من أذى قريش وعنتهم ما لقي أكثر من عشر سنين ، ولكن قريشا لم تدعه يهدأ في مهجره ، بل لاحقوه هناك بعدائهم وبغيهم ، وكان أبو سفيان بن حرب أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وآله مما ستعرف نبأه فيما بعد . ولم يجد النبي ( صلوات الله عليه ) راحة في المدينة التي هاجر إليها بعد ما أصابه بمكة ما أصابه ، فقد كثرت هناك أعداؤه ، وزادت فيها أعباؤه ، فبعد أن كان في مكة يكيد له قريش وحدهم أصبح في المدينة وقد ظهر له